ابن رشد

288

تهافت التهافت

عندهم مثل من يفحص عن سائر مبادئ الشرائع العامة مثل هل اللّه موجود ؟ وهل السعادة موجودة ؟ وهل الفضائل موجودة ؟ وأنه لا يشك في وجودها وإن كيفية وجودها هو أمر إلهي معجز عن إدراك العقول الإنسانية ، والعلة في ذلك أن هذه هي مبادئ الأعمال التي يكون بها الإنسان فاضلا ، ولا سبيل إلى حصول العلم إلا بعد حصول الفضيلة ، فوجب ألا يتعرض للفحص عن المبادي التي توجب الفضيلة قبل حصول الفضيلة وإذا كانت الصنائع العلمية لا تتم إلا بأوضاع ومصادرات يتسلمها المعلم أولا فأحرى أن يكون ذلك في الأمور العملية . وأما ما حكاه في أسباب ذلك عن الفلاسفة فهو قول لا أعلم أحدا قال به إلا ابن سينا . وإذا صح الوجود وأمكن أن يتغير جسم عما ليس بجسم ولا قوة في جسم بغير استحالة فإن ما أعطى من ذلك السبب ممكن ، وليس كل ما كان ممكنا في طبعه يقدر الإنسان أن يفعله فإن الممكن في حق الإنسان معلوم وأكثر الممكنات في أنفسها ممتنعة عليه فيكون تصديق النبي أن يأتي بخارق هو ممتنع على الإنسان ممكن في نفسه ، وليس يحتاج في ذلك أن يضع أن الأمور الممتنعة في العقل ممكنة في حق الأنبياء . وإذا تأملت المعجزات التي صح وجودها وجدتها من هذا الجنس وأبينها في ذلك كتاب اللّه العزيز الذي لم يكن كونه خارقا من طريق السماع كانقلاب العصى حية وإنما ثبت كونه معجزا بطريق الحس والاعتبار لكل إنسان وجد ويوجد إلى يوم القيمة . وبهذا فاقت هذه المعجزات سائر المعجزات . فليكتف بهذا من لم يقنع بالسكوت عن هذه المسألة وليعرف أن طريق الخواص في تصديق الأنبياء طريق آخر قد نبه عليه أبو حامد في غير ما موضع وهو الفعل الصادر عن الصفة التي بها سمي النبي نبيا الذي هو الإعلام بالغيوب ووضع الشرائع الموافقة للحق والمفيدة من الأعمال ما فيه سعادة جميع الخلق . وأما ما حكاه في الرؤيا عن الفلاسفة فلا أعلم أحدا قال به من القدماء إلا ابن سينا والذي يقول به القدماء في أمر الوحي والرؤيا إنما هو عن اللّه تبارك وتعالى بتوسط موجود روحاني ليس بجسم وهو واهب العقل الإنساني عندهم وهو الذي تسميه الحدث منهم العقل الفعال ويسمى في الشريعة ملكا . فلنعد إلى ما قاله في المسائل الأربع .